صديق الحسيني القنوجي البخاري
5
فتح البيان في مقاصد القرآن
قلت : يا رسول اللّه ما عنده ما يعتق ، قال : « فليصم شهرين متتابعين » ، قلت : واللّه إنه لشيخ كبير ما به من صيام ، قال : فليطعم ستين مسكينا وسقا من تمر ، قلت : واللّه ما ذاك عنده ، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم : « فأنا سأعينه بعذق من تمر » فقلت : وأنا يا رسول اللّه سأعينه بوسق آخر فقال : « قد أصبت وأحسنت فاذهبي وتصدقي به عنه ، ثم استوصي بابن عمك خيرا » قالت : ففعلت » « 1 » ، وفي الباب أحاديث . ثم بين سبحانه شأن الظهار في نفسه وذكر حكمه بطريق الاستئناف فقال : الَّذِينَ يُظاهِرُونَ بضم الياء وتخفيف الظاء وكسر الهاء ، وقرأ الجمهور يظهرون بالتشديد مع فتح حرف المضارعة ، وقرىء يظاهرون بفتح الياء وتشديد الظاء وزيادة ألف ، وقد تقدم مثل هذا في سورة الأحزاب وقرىء يتظاهرون وكلها سبعيات ومعنى الظهار شرعا أن يقول لامرأته : أنت عليّ كظهر أمي ، أنت منيّ أو معي أو عندي كظهر أمي ولا خلاف في كون هذا ظهارا ، واختلفوا إذا قال أنت علي كظهر ابنتي أو أختي أو غير ذلك من ذوات المحارم ، فذهب جماعة منهم أبو حنيفة ومالك إلى أنه ظهار وبه قال الحسن والنخعي والزهري والأوزاعي والثوري ، وقال جماعة منهم قتادة والشعبي : إنه لا يكون ظهارا بل يختص الظهار بالأم وحدها واختلفت الرواية عن الشافعي فروي عنه كالقول الأول وكالقول الثاني . وأصل الظهار مشتق من الظهر وهو لغة العلو وليس هو من ظهر الإنسان واختلفوا إذا قال لامرأته : أنت عليّ كرأس أمي أو يدها أو رجلها أو نحو ذلك ، هل يكون ظهارا أم لا ؟ وهكذا إذا قال : أنت عليّ كأمي ولم يذكر الظهر ، والظاهر أنه إذا قصد بذلك الظهار كان ظهارا ، وروي عن أبي حنيفة أنه إذا شبهها بعضو من أمه يحل له النظر إليه لم يكن ظهارا ، وروي عن الشافعي أنه لا يكون الظهار إلا في الظهر وحده ، واختلفوا إذا شبه امرأته بأجنبية فقيل : يكون ظهارا ، وقيل : لا ، والكلام في هذا مبسوط في كتب الفروع . مِنْكُمْ أي حال كونهم منكم أيها العرب ، وهذا توبيخ لهم ، وتهجين لعادتهم ، لأن الظهار كان خاصا بالعرب ومن أيمان جاهليتهم دون سائر الأمم مِنْ نِسائِهِمْ يعني يحرمون زوجاتهم كتحريم اللّه عليهم ظهور أمهاتهم ، يقولون لهن : أنتن كظهور أمهاتنا ما هُنَّ أُمَّهاتِهِمْ أي ما نساؤهم بأمهاتهم فذلك كذب بحت منهم ، وأنه منكر وزور ، وفي هذا توبيخ للمظاهرين وتبكيت لهم قرأ الجمهور أمهاتهم بالنصب على اللغة الحجازية في إعمال ما عمل ليس ، وقرىء بالرفع على عدم الإعمال ، وهي لغة نجد وبني أسد . ثم بيّن لهم سبحانه أمهاتهم على الحقيقة فقال :
--> ( 1 ) أخرجه أحمد في المسند 6 / 410 .